أراد وزير الثقافة والإعلام, عبد العزيز خوجة, أن يكون لقاؤه فاتحة لعهد جديد في التعاطي المؤسسي مع الثقافة وشؤونها. أعد الوزير كلمة مكتوبة مفصلة لرؤيته الثقافة وسبل النهوض بها. تكلم الوزير الشاعر الدبلوماسي عن مشاريع وزارته للمراكز الثقافية ورؤية وزارته للمثقفين وفلسفته في إدارة الشأن الثقافي عبر ذهنية شوروية تشرك المثقفين قدر المستطاع في الخطط المستقبلية الكبرى للثقافة في بلدنا. الوزير الحصيف تلقى أسئلة ومداخلات الحضور بروح تستحق التثمين. كانت إجابته صريحة حين يقدر على الصراحة دبلوماسية وناعمة حين تكون الاسئلة محرجة وتطالب بتفسيرات محددة. لكن اللقاء الفريد من نوعه شابته عيوب مؤثرة. فبحسب الأستاذ حمد القاضي, فإن معالي الوزير خوجة خلع بشت الإعلام ولبس بشت الثقافة في تلك الليلة, في إشارة إلى أن معاليه يتوقع من الحضور أن تتركز مداخلتهم وأسئلتهم على الثقافة وشؤونها فقط . بيد أن طريقة الأستاذ حمد في إدارة اللقاء جعلت معالي الوزير يتناوب لبس البشتين طوال تلك الليلة. فاللقاء تحول من مناسبة للتشاور مع المثقفين والمثقفات إلى لقاء مع الإعلاميين والمثقفات. لقد تبدى وكأن هناك إعلاميين رجالا ومثقفات نساء في تلك الليلة... كيف؟ ولماذا؟
كان اللقاء منظما على أساس أن تكون هناك مداخلات شفوية وأسئلة مكتوبة. وكان لمدير اللقاء أن يختار المداخلين أو يقرأ ما يراه مناسبا من الكم الكبير من الأسئلة التي وصلته في الجانب الرجالي فيما لمنسقة الجانب النسوي الدكتورة ميساء الخواجة, تنظيم المداخلات النسوية وتقديم المداخلات, حيث لم تكن هناك أسئلة مكتوبة من قبل الجانب النسوي. ونظرا لأن الأستاذ حمد القاضي يرى أن رؤساء التحرير ونواب رؤساء التحرير وكتاب الصحف هم خير من يمثل المثقفين في البلد حتى لو على حساب الروائيين وكتاب القصة والشعراء والفنانين التشكيليين والمهتمين بالفكر والفلسفة والنقد.
فقد طغى الشأن الإعلامي على مداخلات وأسئلة الرجال , بعكس زميلاتنا من النساء اللاتي نجحن في التركيز على الهم الثقافي ووضعن نصب أعينهن أنهن في حوار مع وزير الثقافة لا وزير الإعلام. و رغم أن الأستاذ حمد هو من أبلغ الحضور بخلع الوزير بشت الإعلام ولبسه بشت الثقافة, إلا أنه نسي أن يلتزم بمغزى تلك الرسالة. ففي اختيار المداخلين مثلا, أعطى مدير الندوة المداخلات الثلاث الأولى للأساتذ محمد الأحيدب ومحمد التونسي وجاسر الجاسر ربما فقط لأنهم صحفيون مرموقون. أحد الحضور أرسل احتجاجا مكتوبا إلى مدير الندوة مذكرا إياه بأن اللقاء للمثقفين وليس للإعلاميين. قراء الأستاذ حمد الملاحظة ورد عليها أنه يختار الأسئلة والمداخلين بالترتيب وأنه لا يفضل الإعلاميين على المثقفين وأنه يعي جيدا أن هذا اللقاء لمناقشة قضايا الثقافة وسبل تنظيمها ثم قراءة سؤال مكتوب عن تنظيم الصحافة الالكترونية!! حين انتهى اللقاء, رأيت أناسا يتذمرون من تجاهل أسئلتهم. كانوا أكاديميين وكتاب قصة ومهتمين بالفلسفة والفن التشكيلي، لكنهم لم يكونوا كتاب صحف معروفين, وربما لهذا السبب أُهملت طلباتهم للمداخلة وأسئلتهم.
مقابل تهميش الشأن الثقافي في الجانب الرجالي, تميزت مداخلات الزميلات بالتركيز على هذا الشأن. ويمكن القول إجمالا : يمكن تبين صوت نضال جندري في مداخلات المثقفات ضد التمييز النوعي في بنية المؤسسات الثقافية. فمعظم المداخلات النسائية تركزت على التهميش الذي تعانيه المثقفات في التنظيم الرسمي للثقافة في بلادنا, مثل أن عضوية مجالس إدارات الأندية الأدبية مقصورة على الرجال وأن المناصب الكبرى في وكالات الثقافة في وزارة الثقافة والإعلام مشغولة بالرجال. وفي هذا الجانب من اللقاء, غلب الدبلوماسي على المثقف في إجابات معالي الوزير، إذ أجاب معاليه عن أكثر من ملاحظة في هذا الشأن بتأكيده على أن الأولوية لمعيار الجدارة وأن الوزارة لا تفرق بين الجنسين في هذا الشأن. شكل هذا النوع من الإجابات أضعف حلقات أداء معاليه في تلك الليلة, إذ يستحيل قبول تفسير خلو مجالس إدارات الأندية الأدبية من النساء بانعدام وجود مثقفة كفؤة لعضوية أي من هذه المجالس في الوقت الذي تسجل فيه المثقفة السعودية نجاحات متتالية كمبدعة وباحثة وناشطة وكاتبة. كنت أتمنى لو أن الدكتور خوجة, الذي كان شفافا وصادقا ومتفاعلا في معظم أجوبته, ابتعد عن هكذا تفسيرات لظاهرة لم يعد استمرارها مقبولا في ظل اتساع مشاركة المرأة في مؤسسات رسمية أخرى كوزارات الصحة والتعليم والتعليم العالي والشؤون الاجتماعية. كان يمكن للقاء أن يكون أكثر حيوية وقربا لقضايا الثقافة والمثقفين لو أن الجهة المنظمة وفقت في اختيار مدير مناسب للجانب الرجالي من اللقاء, على نسق ما كانت عليه الحال في الجانب النسائي، لكن خيرها في غيرها.