Warning: file_put_contents(/home/ishragat/public_html/banarat/banners.php) [function.file-put-contents]: failed to open stream: Permission denied in /home/ishragat/public_html/include/functions_misc.php on line 0
إشاعة..قصة قصيرة - المقالات - إشراقات -
 
إشراقات
 
الجمعة 10 سبتمبر 2010م
 
 

المقالات
قصص قصيرة
إشاعة..قصة قصيرة

محمد عبده العباسي

محمد عبده العباسي



بدم بارد ، وبأعصاب كالفخار الجامد ، وبصوت فيه مشاعر فظة ، وبوجه تهدل جلده كالطين اللازب ، واجهني :
ـ أنا ....
ولم يكمل عبارته حتي استل السيف من الغمد وهددني ، لم أستسلم بالطبع ، فأنا محارب قديم ، واجهته في حروب جمة لا قبل له بها ، وكان علي الدوم يناور ، لكن الرعب مني كان يقتص لي منه ، هو في خشية دائمة مني منذالأمس وحتي اليوم وفي الغد القريب ..
برأس شماء لامست عنان سماء لا تطاولها إلا أعناق الشرفاء نظرت له من علٍ ، فهالته الذكري ، ذكري انتصاري عليه ..
يوم أن حاربته ، اقتصصت منه ، أذللته وأنا أشارك زمرة من الأبطال المغاوير في وأد الحلم الذي أشاعه بيننا :
ـ الجيش الذي لا يقهر ..
" لو كان أحدكم بحضرة تلك الأيام أو رويت له ، أو تذكر تلك اللحظات الخالدة لبُهر وبُهت في آن واحد ، ولعرف أن للحياة طعمها الآخر ومذاقها العذب الرطيب ، ولعرف أيضاً كيف يمكن للمرء أن يضحي بروحه ودمه من أجل وطن عزيز غالٍ ومبادئ وعقيدة "..
عاد ليردد قوله :
ـ أنا ...
وازدرد ريقه ، وكالثعلب ، ومثل ممثلي أدوار الشر علي شاشات السينما ، مسح بظاهر كفه علي فمه ، ذئب يرتدي ثياب الحملان يقف أمامي ويناورني في زمن اختلط فيه الحابل بالنابل ..
وحين ظن أنني قد صرت كهلاً بفعل الشيب الذي غزا شعر رأسي واحتل فوداي ، أو صرت مثل فيل سيرك يئن تحت وطأة سيف الحياة ، راح يميط اللثام عن أنيابه ، وظن بأن الفرصة قد سنحت له ليمد يده ، ويبعدني إلي الفلوات لأموت بعيداً وحيداً وهو يضحك ..
ربت علي كتفي ، وهو يود معانقتي لكني رفضت ، عاد يقول :
ـ أنا ....
وذكرني بأننا أبناء عمومة ..
أفلتُ من حصاره بحنكة ودربة فأنا رياضي سبق أن أحرزت بطولات عدة في المصارعة الرومانية ، علا صوتي في حدة :
ـ ابتعد ، لا تقترب مني ، لا تضمني إلي صدرك ، دعني فأنا نسيج وحدي ..
زاد اقترابه مني ، راح وكأنه يسدي لي النصح تارة ، ويوجه لي كلمات عذبة تارة أخري ثم يحاول في النهاية أن يستدرجني لمهاوٍ سحيقة ..
راح يلقي باللأئمة علي من سبقوا وزرعوا أشجار الكره ، ونشروا الحروب بيننا ، وبثوا الضغائن فأشعلوا نار الحقد وتلال المقت ، ثم عاد يذكرني بمن مدوا أيديهم ليوقعوا المواثيق ويبرموا المعاهدات فأشاعوا السلام ..

***
رحت أتذكره ، هذا الذي يقف أمامي الآن كالنصل الحاد ، كان يشحذ همته لينقض علّي ، ويقف كحجر عثرة في طريق مستقبلي ، بل ويقطع السبيل علّي في الغدو والرواح ، قاطع طريق يحد من سيري علي طريق كثيراً مارسمته نهجاً لأجيال تأتي من بعدي لتحمل الراية وتشق الطريق نحو مستقبل زاهٍ ومشرق تحلم به ، يحاول قدر طاقته أن يقطع الحبل السُري بيني وبينها ، أنا معلم التاريخ الذي يحمل علي كاهله عبء الأمانة ، وهو لا زال يتربص ويسعي بكل جهد لأن ينشب بأظافره في عنقي وليستحل دمي ويستمر في إمتصاصه..
ـ أنا ...
وكالعهد به ظل يسرد الوقائع الكاذبة ، تتبدل ملامح وجهه الكئيب ثانية بثانية ، يخلع قناعاً عن وجهه ويضع غيره ، يرقق من غلاظة صوته ثم يعود بصفاقة ليردد كذبه ، كان لا يغض الطرف لحظة عن النظر إلي حبل غسيل بشرفة بيتي يحمل ملابس حفيدي " أنس" ..
لص، يناور ، يداور ، ينافق ، يداهن ، تنبعث من أردانه رائحة عفنة ، صرخت في وجهه :
ـ اغرب عن وجهي ، هل ترحمني من رائحتك تلك النتنة ؟
جاء صوته مخشوشناً هذه المرة ، لم تصبني الدهشة ، قلت في نفسي :
ـ ماذا أفعل ؟
أنقذني صوت " أنس" وهو عائد من روضة الأطفال :
ـ أنا هنا يا جدي ، هل انتظرك ؟
ـ لا ، لا إذهب أنت ..
ومضي الصغير يحمل حقيبته المدرسية وهو يغذ الخطي ، وبين الحين والحين كان يقف ليختلس النظرات إليّ ، ثم ناداني :
ـ هل ستغيب طويلاً ياجدي ؟
***
الثعلب كان يراقبه ..
***
ترامي إلي أذناي من شرفتنا هديل حمام ، سقسقة عصافير ، كان صاحب الوجه القبيح يجرجر خطوه ،وانسل بعيداً كما ، وضاع بين ركام الطريق وضجيج أبواق السيارات المتدفقة ، تناهي لي صوته وقد أصابه الذبول:
ـ سنلتقي ثانية ..
واختفي ..



ـــــــــــــــــــــــــــــ
محمد عبده العباسي
بورسعيد
مصر
elabbasy_story@yahoo.com

نشر بتاريخ 20-01-2010  


أضف تقييمك

التقييم: 7.82/10 (17 صوت)


 


بحث في الإنترنت

 
القائمة البريديةϖشعرϖقصصϖفيديوϖصورϖأخبارϖمقالاتϖالمدونةϖالرئيسية
Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5 Copyright © 2008 www.ishragat.com - All rights reserved