عبدالرحمن اللاحم
من خلال التصريحات الإعلامية للمحسوبين على هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , والمتعاطفين معهم , سواءً عبر الصحف المحلية , أو الانترنت , أو على رؤوس المنابر , تلحظ وبشكل واضح كيف أن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اختطفت مفهوم (الحسبة) المتداول في الكتب الفقهية وجيرته عنوة لهذا الجهاز دون بقية أجهزة الدولة , وأسبغت على رجالها رداء (المحتسب ) بكل دلالته الشرعية حتى يكون حصناً دفاعياً لهم ضد النقد أو المحاسبة أو الملاحقة القضائية .
ومن أجل ذلك قامت الهيئة وأعضاؤها وكتيبة المدافعين عنها , باستدعاء المفردات والأدبيات التي أوردها الفقهاء بشأن الحسبة بالمفاهيم التراثية , وأسقطتها على نفسها وعلى موظفيها , وربطت نفسها بعلماء الدين الذين يحددون لها أطر عملها واختصاصاتها في ظل غياب النص القانوني (الصارم) لأنهم يعتقدون أن مهمتهم (إلهية) فلا يمكن لقواعد الأرض أن تحكمهم أو أن تضبط علمهم ومناشطهم , وجاهدوا من خلال أجهزتهم الإعلامية لضخ هذه المفاهيم من أجل الإفلات من العدالة , والهروب من المساءلة , فما زالت منابر الجمعة تلهث لهم بالدعاء دون غيرهم من أجهزة الدولة التي تؤدي الوظائف ذاتها, وتدعو على شانئيهم بالويل والثبور وعظائم الأمور في تناقض عجيب غريب .
والأعجب من ذلك تلك الفتوى التي سوف انقلها عن الشيخ عبدالرحمن البراك والتي تختزل كل ما قيل أعلاه , وتوضح كيف يفكر القوم وبأي عقلية يتحركون , وأن مطالبتهم باحترام القانون وحقوق الإنسان لن تجد لها آذاناً صاغية , لأن تلك المطالبات ببساطة جاءت من الجهة الخطأ , ولم تأتي من القناة الشرعية المعترف بها لديهم وهي قناة المشائخ وطلبة العلم , مما يؤكد وكما ذكرنا بالتدوينة السابقة أن الهيئة بوضعها الحالي لا تعدو أن تكون سوى مؤسسة دينية لا مدنية بخلاف مؤسسات الدولة الأخرى .
وإليكم الفتوى :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فنحن مجموعة من رجال الهيئة حصل نزاع بيننا في أيهما أولى بالمتابعة هل التركيز على أوكار الرذيلة كمصانع الخمور ودور البغاء أو الاهتمام بالمنكرات الظاهرة كالتبرج في الأسواق والأماكن العامة والمعاكسات والتخلف عن الصلاة ، وحيث أن الكثير من الأخوة تميل نفوسهم إلى الأول لسهولته وعدم الرغبة في الاحتكاك بأصحاب المنكرات الظاهرة ، فأي الأمرين أولى بالعناية والاهتمام ؟ وهل يلحقنا إثم في اختيار ما هو أهون علينا ؟ نرجو من فضيلتكم التكرم بالتفصيل في هذا الموضوع وجزاكم الله خيراً .
الإجابة
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
الجواب : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
لا ريب أن لكل من النوعين أهمية في الإنكار فمصانع الخمور وترويج المخدرات أخطر من جهة أنها مصادر شر على المجتمع ومنكرات الأسواق أسوء من جهة الظهور والانتشار فيه أولى بالإنكار لأن المنكرات الظاهرة يتحتم إنكارها على كل قادر بحسب قدرته بخلاف المنكرات التي تحتاج إلى بحث ومتابعة .
وبناءً على ذلك أرى تخصيص الأيام الثلاثة الأولى من الأسبوع للنوع الأول والأربعة الباقية التي فيها عطلة الأسبوع للنوع الثاني جمعاً بين المصلحتين وقياماً بالواجب حسب الاستطاعة والله أسأل أن يعينكم ويبارك في جهودكم ويصلح أحوال المسلمين ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
حرر في 9/ 4/ 1426هـ
رابط الفتوى :
بطبيعة الحال الفتوى تتحدث عن نفسها ولا تحتاج إلى دقة نظر لإخراج مكنوناتها الثقافية والفكرية , بل جاءت واضحة وصريحة , فموظفوا الهيئة توجهوا للشيخ لسؤاله عن مسألة تتعلق بصميم عملهم الإداري المحكوم بقواعد قانونية لا تقبل الاجتهاد من شيخ أو من غيره , فوظيفتهم بالأساس هي تحقيق الأمن للناس من خلال جهاز حكومي مرتبط برئيس إداري مرتبط برئيس مجلس الوزراء , ورئيس تلك المنشأة هو المخول نظاماً بتحديد الاستراتيجيات التي تتبعها الهيئة في ممارسة عملها , والآلية المتبعة في تطبيقها وفق الأنظمة , فلماذا إذاً يتجاوزون مراجعهم الإدارية ويتوجهون إلى (شيخ) ليحدد لهم تلك الاستراتيجية , ويبين لهم ما يفعلون وما لا يفعلون , ومتى يمارسون اختصاصاتهم وفي أي بقعة يمارسونها ؟
وتلك الفتوى حقيقة تبين بجلاء سذاجة من السائل والمسؤول في إدراك مفهوم الدولة بمحدداتها الحديثة , فهم لا زالوا أسرى لمفهوم الدولة التي يتحكم الشيخ في مصائرها ويدير دفتها ويحرك ساكنها ويسكن متحركها , دون مراعاة لمفهوم (المأسسة ) التي يعد الحجر الأساس للدولة الحديثة والمرتبط بشكل عضوي بالقانون الذي يضبط إيقاع حركة تلك المؤسسات بعيداً عن الفردية من شيخ أو من غيره .
ولك أن تتصور (كارثية ) الفكرة التي وراء الفتوى بأن تتخيل - مثلاً - رجال المرور يتنازعون فيما بينهم : هل الأولى ملاحقة المفحطين أو الترصد لمتجاوزي الإشارات الحمراء ؟ وبعد أن استشاروا أحد المشائخ (قرر) لهم أن يحددوا أيام الأسبوع الخمسة لملاحقة المفحطين بحكم أن فيها أيام الدراسة وبالتالي تكون (مظنة) (التفحيط) و (التسحيب) أمام المدارس , وبقية اليومين لمتابعة من يتجاوزن الإشارات الحمراء , وعليه تصبح شوارعنا في الأيام الخمس الأولى تسير بلا خطام أو زمام , لأن رجال المرور قد أُفتي لهم بأن يتوجهوا إلى (جبهة) ثانية , وسيكون اليومين الأخيرين مرتعاً لكل من يهوى (التسحيب ) في الشوارع لأن رجال الأمن في رباط أخر كما نصحهم الشيخ , وعليه فقس في كل مؤسسات الدولة في كوميديا سوداء صنعها مشائخ ارتأوا أن يكونوا خارج الزمان والمكان .
لذا لا حل - بوجهة نظري - إلا البدء الجاد بإنزال الهيئة ورجالها من السماء إلى الأرض , إذا ما أردنا فعلا وقف مسلسلاتهم العبثية في العدوان على الإنسان وحقوقه وانتهاك كرامته .
http://www.montdiatna.com:1863/forum/showthread.php?t=70333
منبر الحوار والإبداع نشر بتاريخ 19-01-2010 |